فقه إدارة الأزمات.. الإمام حسن الهضيبي أنموذج
وليد شلبي
تعد إدارة الأزمات واحدةً من أهم وأخطر الإشكاليات التي تواجه الحركة الإسلامية على وجه العموم، فالعمل الإسلامي سواء كان دعويًّا أو حركيًّا على المحك دائمًا وفي ظل غياب الأُطر المؤسسية القانونية لدول العالم الثالث فإن العمل الإسلامي شأنه شأن أي عمل يواجه أزمات أو يصطدم بعقبات إدارية أو أمنية أو سياسية حتى ولو حاول أن يعمل في ظل الأُطر القانونية القائمة، أو أن يحصل على "صك" القانونية.
وإذا كان بعض علماء الإدارة يعرِّفون الأزمة بأنها "ذلك الحدث السلبي الذي لا يمكن تجنبه أيًّا كانت درجة استعداد المنظمة، "فإن القائمين على العمل الإسلامي في حاجةٍ إلى ما يمكن تسميته بـ"فقه إدارة الأزمات"، فإدارة الأزمة ليست سهلةً ميسورةً، ولكنها تُعد أحد أهم وأخطر عناصر العمل الإسلامي، فإذا لم يُحسن التعامل معها قد تجر على العمل ويلات كثيرة، فلا بد من تحليل أي مشكلة، ودراسة البدائل في ظلِّ الإمكانات المتاحة، والظروف القائمة، وحسابات الأضرار والمنافع واعتبارات المقاصد الشرعية، وتلمس الحلول المناسبة، دون تفريط في "الثوابت" الخاصة بالعمل أو الخروج عن أُطره.
فمتى يكون القرار صلبًا حاسمًا ومتى يكون مرنًا لينًاً، وكيف تُدار الأزمة للخروج بأقل الخسائر ودون تأثير جوهري على العمل الدعوي وأركانه وأساسياته، بل كيف تُدار الأزمة للاستفادة منها واستثمارها وتحويلها من نقمة إلى نعمة، وكيف يُحافظ من يُدير الأزمة على وحدة الصف في ظل ظروف الأزمة، كل هذا يحتاج لفقه إدارة الأزمات، وأحسب أن العمل الإسلامي عمومًا وقادته خصوصًا في حاجةٍ لهذا الفقه بشدة ليُحسنوا التعامل مع الأزمات من حولهم.
وللأسف الشديد فإن الكثير ممن يعملون على الساحة الدعوية يفتقدون إلى "فقه إدارة الأزمات" مما يُوقعهم في إشكالات أو صدامات مختلفة، تعطل العمل، بل وقد تُعيقه لفترة ما طويلة أو قصيرة عن الساحة.
وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين بتجربتها الكبيرة أدركت هذا الأمر جيدًا، وأخذت تتعامل مع الأزمات بمنظورٍ علمي، ورؤى شرعية، وقرار شوري فإن الإمام حسن الهضيبي يرحمه الله يُعد أفضل مَن أدار الأزمات في العمل الإسلامي في العصر الحديث في إطار دعوي، فلقد واجه الرجل أزماتٍ كثيرةً من داخل الصف (جماعة الإخوان المسلمين) ومن خارجه (الحكومة المصرية) في ذلك الوقت، وأدارها كأفضل ما يكون بمهارة واقتدار.
وإذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي عاش فيها الرجل- داخلية أو خارجية- والمحن التي تعرَّضت لها جماعة الإخوان المسلمين في عهده والتي بلغت من الشدة والقسوة والضراوة الدرجةَ التي تزلزل أركان أي تنظيم أو جماعة، ما لم تكن هذه الجماعة تُخلص لله وحده، وقائمة على أسس عقدية وفكرية سليمة، ولها في ذات الوقت قيادةٌ ذات قدرة على التعامل مع الأزمات وغنية بمعرفة فقه الأزمات ومتأصل فيها وليس شعارًا.
ولقد مَنَّ الله على الإخوان المسلمين بالإمام حسن الهضيبي ليقودَ الجماعةَ في ظلِّ أعتى وأشد المحن التي تعرَّضت لها الجماعة في تاريخها، واستطاع- بفضل الله- أن يتعاملَ مع هذه الأزماتِ بمهارةٍ فائقةٍ في ظلِّ ظروفٍ حالكةِ السواد، واستطاع أن يقودَ السفينةَ كأمهر ربان في بحورٍ متلاطمة الأمواج لينجوَ بها ويصلَ بها إلى برِّ الأمان، محافظًا على ثوابت العمل وأُسسه والأُطر التي وضعها مُؤسسها الأول الإمام الشهيد حسن البنا- يرحمه الله.
فعن فطنة وكياسة الأستاذ الهضيبي في إدارة الأزمات التي حلَّت بالجماعة وعن منطلقاته الدعوية يقول الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله: "وإذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتةَ يانعةً فتيَّةً، فقد كان حسن الهضيبي علاَّمة زمانه، ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يُفرط، عزيزًا لم يَلن، كريمًا لم يَهُن، وأدَّى الأمانة أمينًا في عزم، قويًّا في حزم، ثابت الخُطى في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفي العمل، لم يُثنه حبل المشنقة، ولم يُرهبه سجن ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصرارًا على إصرار، وصمودًا فوق الصمود "مجلة الدعوة- العدد الأول- رجب 1396 هـ".
وإذا كنَّا ندرس نظرياتِ الآخرين وتجاربهم في كيفيةِ إدارةِ الأزمةِ فإن ما قام به الإمام حسن الهضيبي يستحق أن يُدَّرَس وأن يكون نبراسًا يُضيء للعاملين للإسلام الطريق في كيفية إدارة الأزمات، الأمر الذي جعل الإخوان المسلمين يخرجون من المحن والسجون على عكس ما كان يُستهدف لهم، صبروا و صابروا وجاهدوا أعظم الجهاد، بل وكانوا نواةً لجيلٍ جديدٍ حمل عبء الدعوة والحركة، وهذا بفضل الله أولاً، ثم بفضل الأُسس التربوية السليمة التي وضعها الإمام المؤسس الشهيد حسن البنا- يرحمه الله- وتعامل القيادة الواعية مع قضاياها وقضايا الأمة بمنظورٍ شامل، ومنهجية ثابتة.
فجماعة الإخوان المسلمين كانت في أشد الحاجة- في تلك الظروف- لمثل هذا النوع من الرجال الذين قيَّضهم الله ليقودوا دفةَ العمل، ويكونوا كالهضابِ التي تنكسر عليها النصال ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23) ليقودها في ظلِّ تلك الظروف القاسية، ليقفَ في وجهِ الهجماتِ والضرباتِ المتتالية، صامدًا معينًا إخوانه على الصمود، ومخلصًا معينًا إخوانه على الإخلاص، حازمًا قويًّا لا تلين له قناةٌ، محافظًا على ثوابتِ الجماعة، منافحًا عن الحركةِ برؤية القاضي الصارم المتجرِّد في مواجهة من حاولوا الخروج عن الصف، والالتفاف على الشرعية، فالكل سواء، ومصلحة الجماعة أهم بكثير من مصلحة البعض الذين حاولوا استغلال الجماعة لأغراض شخصية أو لأهداف ضيقة.
فلقد كان يتمتع- يرحمه الله- بروح القائد، وعلم الفقيه، وضمير القاضي، وثبات وصلابة المجاهد، وقبل ذلك إخلاص وورع الزاهد العابد، لذلك نصره الله وأيَّده وأرشده لأصوب القرارات في أصعب الأوقات.
قد ينظر البعض للمحن التي تعرَّض لها الإخوان في عهده بنظرة سلبية كأنه هو المسئول عنها، وقد أثبتت الأحداث غير ذلك، بل إن أسلوبه في إدارة الأزمة حَوَّلَ هذه المحن إلى نِعَم، وقد حققت الجماعة في ظل الأزمة ما لم تحققه في لحظات الانفراج، وظهر جيل جديد من الإخوان ليقودَ العملَ في أحلك الظروف، بثبات، وقوة، ووعي وإدراك لظروف المرحلة. ورفع مستوى المفاهيم التربوية في نفوس الإخوان وإذكاء روح الأخوة العملية بينهم، فلم تكن المحن كلها بلاءً، ولكنْ مَنَّ الله على الإخوان ببعض الإيجابيات التي تستحق أن تكون درسًا للأجيال. وسنتناول هنا بعض الأسس التي اتبعها الإمام الهضيبي في إدارته للأزمات لتكون درسًا، وعلاماتٍ على الطريق لمن يسلكون طريق أصحاب الدعوات.
وأبرز هذه الأسس:
أولاً: الاعتماد على الله
فالدعوة دعوة الله، وما وقف الإخوان هذه المواقف وما تعرضوا لتلك المحن إلا لله وفي سبيل الله، لذلك كان الاعتماد على الله سبحانه هو الأساس في المواجهة ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق:3).
فالاعتماد على الله سبحانه عنصر أساسي وبديهي في إدارة الصراع بين الحق والباطل، وهذا من صلب العقيدة؛ فالله هو المعين وهو الملجأ والملاذ وهو الغاية والهدف، ولا يجوز أن يديرَ مسلم مواجهةً بين الحق والباطل بدون طلبِ العون والغوث من الله سبحانه.
ثانيًا: التركيز على الثوابت التربوية
يقول رح
المزيد