مصر.. شورى 2007 نهاية لإصلاحات 2004

كتبهانحب الخير لكل الناس ، في 15 حزيران 2007 الساعة: 23:02 م

مصر.. شورى 2007 نهاية لإصلاحات 2004
تحليلات

ويبقى

لأن انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى المصري (11 يونيو 2007) كانت اختبارا لجملة اعتبارات سياسية تدور حول مستقبل مصر السياسي في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة (34 تعديلا) ، ومستقبل الإصلاحات التي بدأ الحديث عنها أواخر 2004، وطبيعة العلاقة بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين، ومستقبل الجماعة ذاته في ظل التصعيد الحكومي الحاد ضدها، فمن الطبيعي أن ننظر لنتائج هذه الانتخابات – "الفعلية" أو "الموجهة" – علي أنها "مؤشر" لطبيعة المرحلة المقبلة.

فإذا كانت هذه الانتخابات هي أول اختبار حقيقي لجملة من التعديلات الدستورية رفضتها قوى المعارضة المصرية واعتبرتها "قوانين تفصيل" على مقاس الحزب الحاكم، وتستهدف تقليص إشراف القضاة على الانتخابات، ووضع مزيد من القيود على الحريات، فضلا عن أنها اختبار أهم لقانون مباشرة الحقوق السياسية الجديد الذي يضع قيودا مشددة على الممارسة السياسية، فقد كان التصور هو أن سير هذه الانتخابات ونتائجها سوف تحسم مصير كل هذا وتحدد معالم المستقبل.

صحيح أن بعض القوى السياسية المتفائلة رفضت ما ذهبت اليه أصوات معارضة من أن التعديلات الدستورية تؤرخ وتسطر لحقبة جديدة من "الانكماش الديمقراطي" في مصر، واعتبرت أن صناديق انتخابات الشورى سوف تضع النقاط على الحروف باعتبارها أول انتخابات بعد التعديلات، وأول اختبار لنوايا حكومة الحزب الوطني، ولكن الصحيح أيضا أن قوى أخرى – خصوصا جماعة الإخوان – كانت تأمل أن تغير أو تخفف – عبر الممارسة واختبار هذه التعديلات عمليا - من هذا "الأمر الواقع" وهذه القيود التي تفرضها التعديلات الدستورية.

أما وقد انتهت الانتخابات لتؤكد مخاوف الفريق المعارض بشأن ترسيخها لحالة "الانكماش الديمقراطي" وتجميد الإصلاحات الحقيقية، لأنها رسخت مبادئ استبعاد الإشراف القضائي على الانتخابات، وما ترتب عليه من عودة التزوير – كما رصدته فضائيات مثل "الجزيرة" بالصورة – إضافة إلى تحجيم المطالب الإصلاحية، فمن الطبيعي أن يكون لها انعكاسات على ثلاثة مستويات: الأول يتعلق بطبيعة الحكم مستقبلا، والثاني يتعلق بأثرها على مستقبل المعارضة نفسها خصوصا جماعة الإخوان أو ما يمكن تسميته "المراجعات الداخلية" خصوصا أن هناك فريق من المحليين يرى أن خسائر الجماعة في الانتخابات (اعتقالات ومضايقات) باهظة بالمقارنة مع انتخابات محسومة مسبقا، والثالث نمط العلاقة بين السلطة والمعارضة في ظل حياد الضغوط الدولية لصالح السلطة.

مستقبل السلطة

أبرز ما أفرزته ممارسات ونتائج انتخابات شورى 2007 أنها أعادت تقريبا الوضع السياسي في مصر لما كان عليه عام 2004 من انكماش ديمقراطي وجمود وانسداد سياسي ونهاية للإصلاحات، وذلك بعد فترة "حلحلة" أو "حراك" سياسي بدأت عام 2004 بمطالب إصلاحية شعبية وتوجت بقبول رسمي لها عام 2005 وبوادر تفعيل قانوني لها عام 2006.

فقبل "هوجة" الإصلاحات التي ارتبطت ببروز حركة سياسية جديدة هي "كفاية" وتغيير في آلية حركة جماعة الإخوان المسلمين بالخروج للشارع لأول مرة منذ الأربعينات، وبنمط جديد من المطالب يتعلق بالتغيير وخرق الثوابت (نقد رئيس الدولة) ، كانت الحياة السياسية تشهد موجات من الصعود والهبوط، وجاء أكثرها صعودا في أعقاب حالة التساهل النسبي مع قوى المعارضة في الجولة الأولى من انتخابات ديسمبر 2005 البرلمانية، بما سمح بفوز المعارضة بقرابة 94 مقعدا منها 88 لجماعة الإخوان.

وساعد على صعود هذه المطالب الإصلاحية، أنها وجدت "رياحا خارجية" مواتية تساندها، ممثلة في صورة ضغوط أمريكية لتنفيذ خطة بوش لنشر الديمقراطية في العالم العربي، ما دفع السلطة في مصر للانحناء للعاصفة نسبيا.

بيد أن تصاعد المطالب الإصلاحية لحد توجيه نقد مباشر للرئيس المصري، وتوالي خروج المظاهرات للشوارع من قبل كافة القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية (مظاهرات أقباط) ، فضلا عن تقييد لبعض ممارسات الأمن عبر بعض الملاحقات في قضايا التعذيب.. كلها عوامل دفعت السلطة لفرملة هذا التوجه، والربط بين أمن مصر وأمن السلطة معا.

امتصاص الإصلاحات

من هنا بدأت الاستجابة للمطالب الإصلاحية تأخذ منحى آخر "امتصاصي" بمعني امتصاص غضب ومطالب القوى السياسية الإصلاحية بحزمة قوانين إصلاحية شكلية، ولكن مفرغة المحتوى، وساعد على هذا أمرين: (الأول) هو ضعف المعارضة الفعلي في الشارع وتقلص المظاهرات، و(الثاني) فتور الضغط الخارجي بعدما ظهر للسلطة والخارج معا أن محصلة الإصلاحات ستأتي لصالح الإسلاميين وجماعة الإخوان تحديدا، والتي تمثل تهديدا للطرفين.
 
هنا بدأت حزمة التعديلات الدستورية والقوانين المكملة لها تصب في منحى مخالف تماما للمطالب الإصلاحية، وتظهر في صورة قوانين دائمة تقنن الاستثناء.

وجاءت انتخابات الشورى لترسخ هذا الأمر والواقع الجديد على النحو التالي:

1 ـ عادت نسبة الـ 97% من المقاعد التي يفوز بها الحزب الوطني الحاكم بعدما فاز في المرحلة الأولي بـ 69 مقعدا من 88، وهناك إعادة على 17 مقعدا بين الوطني والمنشقين عليه، بعدما كانت هذه النسبة الحقيقية قد تدنت إلى 39% في انتخابات مجلس الشعب 2005 ، وارتفعت إلى 72.9% بانضمام المنشقين على الوطني.

2 ـ أدى غياب الإشراف القضائي الكامل لعودة التزوير على نطلق واسع بدرجة وصفها معارضون بأنها "غباء التزوير" بعدما بلغت نسبة الفروقات بين أنصار "الوطني" الفائزين وأنصار الإخوان ما بين 150 إلى 200 ألف صوت سواء نتيجة منع قوات الأمن أنصار الإخوان من التصويت أو نتيجة ملأ صناديق بأوراق تصويت جاهزة لمرشحي الحزب الحاكم حسبما قالت منظمات حقوقية رصدت الأوضاع. وهو تطور عقب عليه قضاة - المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية – ساخرين بالقول: "لن يتبقى من الانتخابات إلا اسمها فقط، بل إنها ستكون بالتعيين"، في حين تساءل نواب معارضون عن سر عدم أخذ هذه النسب العالية لـ "الوطني" في موسوعة جينز للأرقام القياسية!؟

3 ـ عادت نسبة الحضور والتصويت للارتفاع مرة أخرى في انتخابات شوري 2007 لتصل إلى 31% كدليل على حيوية الانتخابات رغم تأكيد منظمات حقوقية أنها لا تزيد على 10%، ورغم إرجاع اللجنة العليا للانتخابات ذلك للحراك السياسي وزيادة عدد الناخبين المقيدين بالجداول من 19.5 مليون ناخب عام 2001 إلى أكثر من 23 مليونا، فقد عكست نسب الحضور الرسمية المعلنة عودة لعهد انتخابات ما قبل إصلاحات 2004.

أما أهم ملاحظة فيما يتعلق بمستقبل الحزب الحاكم كشفتها انتخابات الشورى، فهي اتساع حجم ظاهرة الانشقاقات داخل الحزب بين المتنافسين للحصول على الحصانة، ما دفع الحزب لاتباع أسلوب "المرشح البديل" بدلا من فوز المنشقين ثم الدخول معهم في مقايضة، وهو تطور يعكس الصراعات الداخلية في صفوفه خصوصا مع تزايد أعداد الساعين للحصول على الحصانة عبر الحزب من رجال الأعمال والسياسيين.

مستقبل المعارضة والإخوان

بشكل عام، أظهرت الانتخابات حقيقة واحدة هي استمرار غياب أحزاب المعارضة المصرية على الرغم من بلوغ عددها 24 حزبا. فرغم مشاركة قرابة 8 أحزاب معارضة، فإنها لم تفز،  سوى مرشح يساري واحد أكدت صحف مستقلة وحزبية أنه فاز بصفقة بين "الوطني" والتجمع" مكافأة للأخير على عدم مقاطعته للانتخابات.

ولذلك فالمستقبل يشي بمحاولة السلطة العودة للعب بورقة الأحزاب الموالية كنوع من التوازن في المجالس التشريعية وإظهار تمثيل القوى المعارضة، وهو ما أدى لخطوة الموافقة على حزب "الجبهة الديمقراطية " من قبل لجنة الأحزاب لتشير إلى ملامحه مستقبلا.

أما مستقبل جماعة الإخوان ومشاركتها السياسية في أي انتخابات مقبلة بعدما ظهر الإصرار الرسمي على إسقاط أي من مرشحيها، فمن المهم الإشارة هنا لسؤال هام يتعلق بجدوى قرار المشاركة في الانتخابات رغم مؤشرات تزويرها، وتقديم ثمن باهظ في صورة اعتقال أكثر من ألف من أنصارها.

فقد أظهرت بيانات أصدرها قادة الجماعة عقب خسارة مرشحيها الـ 19 ميلا نحو تبرير قرار المشاركة في الانتخابات، ما أعطى انطباعا عن أنه ربما تكون هناك خلافات داخلية حول جدوى التضحية باعتقال واقتحام بيوت أعضاء في الجماعة وتهديد مستقبلهم مقابل لا شئ عكس انتخابات مجلس الشعب التي اعتقل خلالها 3 آلاف عضو تقريبا، ولكن المحصلة كانت إيجابية.

وظهر هذا بوضوح في "مقال" للدكتور عصام العريان نشرته صحيفة الدستور المستقلة و"رسالة" لنائب المرشد الأول د. محمد حبيب ركزت على فكرة خطأ أو صواب قرار المشاركة مع التركيز على فوائد المشاركة. فالدكتور حبيب تحدث بوضوح عن أنه : "من الصعب علينا في كثير من الأحيان أن نجد قرارا سياسيا صواب كله .. أو خطأ كله .. أو قل إيجابيات كله.. أو سلبيات كله.. فكثير من القرارات السياسية تتضمن هذا وذاك بنسب متفاوتة .. وبقدر حجم ونوع الإيجابيات التي تترتب على قرار ما بقدر ما ينحاز الإنسان إليه". أما الدكتور عصام العريان، فكان أكثر وضوحا في الحديث عن "سبع فوائد ولنا فيها مآرب أخرى"!.

ومع أن د. حبيب تحدث بوضوح عن وجود رأيين داخل الإخوان بشأن خوض انتخابات الشورى، رأى بخوضها، ورأى آخر بتجنبها، وكانت لكل أسبابه الوجيهة والمقنعة"، وترجيح المشاركة رغم ما سيواكبها من مصاعب وتكاليف وأعباء، فقد رصد د. "عصام العريان" المزايا في سبع فوائد أبرزها: "اختبار التعديلات الدستورية المتناقضة وما نتج عنها من قوانين وقرارات خاصة، واختبار لجنة الانتخابات الجديدة، وإحياء قيم الإيجابية والمشاركة والإقلاع عن اللامبالاة والسلبية والخوف"، هذا فضلا عما قال أنه "إحداث حِراكٍ داخل الحزب الوطني نفسه، والاستفادة من الصراعات الداخلية في صفوفه لصالح تيار إصلاحي حقيقي، ودفع رموز إخوانية جديدة من الصفوف الثالثة والرابعة، وتدريب أعداد ضخمة من قواعد الإخوان".

ولعل هذا هو المكسب الحقيقي للجماعة من المشاركة في الانتخابات خصوصا في ظل توقع المزيد من البطش الأمني والمحاكمات العسكرية (بعد تقنينها دستوريا وقانونيا) ، خصوصا أن المحاكمات والاعتقالات أمرا روتينيا لا يكسرها، أما مستقبل الجماعة ذاته داخليا فالمؤشرات تظهر أن اختبار الشورى أظهر كفاءة جهازها الإعلامي خصوصا عبر الإنترنت، وتماسك جبهتها الداخلية وقدرتها علي تجديد الكوادر.

ما يتبقي إذن من النتائج السياسية المترتبة على هذه الانتخابات هو نمط العلاقة بين السلطة والمعارضة في ظل حياد الضغوط الدولية لصالح السلطة، ورفع إدارة بوش يدها عن العملية الديمقراطية.

يكفي للتدليل على السيناريو الداخلي هنا أن نشير لحالة التغول التي ظهرت بوضوح قبل وأثناء الانتخابات من قبل السلطة التنفيذية على السلطة القضائية ثم التشريعية، وغياب أي تأثير للأحزاب على الساحة الداخلية، والتعامل مع أبرز هذه القوى (الإخوان) بعصا الأمن والمحاكمات وقيود التعديلات الدستورية.

أما على المستوى الخارجي فتكفي الإشارة لرد الفعل المصري القوي على تصريحات الرئيس بوش حول الديمقراطية في مصر والتي وصلت لحد نقد المتحدث الرئاسي المصري للقاءات نواب بالكونجرس بنواب من الإخواني، والحديث المباشر عن أن أمريكا هي التي تحتاج لمصر لتحقيق مصالحها في المنطقة، وكلها تشير لاستشعار السلطة في مصر تغير المعادلة في التعامل الخارجي، وربط التجاوب مع مصالح أمريكا الإقليمية بصمتها عن التدخل في الشئون الداخلية المصرية وكف الحديث عن الديمقراطية والحريات.

—————

اسلام اون لاين

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر