المشهد السياسي المصري
كتبهانحب الخير لكل الناس ، في 15 حزيران 2007 الساعة: 22:47 م
كتب : عصام علي
تشهد الساحة السياسية المصرية الحالية مشهدا مغايرا لكل الفترات السابقة التي مرت بها البلاد ربما يرتبط المشهد السياسي بقدر كبير من التشابه بينه وبين الفترات التي سبقت الأحداث العظيمة والتغيرات الجذرية ولكن المشهد الحالي يتميز عنها بأنه شديد القتامة عن أي وقت سابق لكنه - وهذا هو المثير- شديد الوضوح رغم كل مساحيق التجميل التي يحاول الإعلام الحكومي وضعها والتزين بها.
ما يميز المشهد السياسي الحالي هو جملة من الخطايا والقضايا التي لا يمكن لأي عين خبير أن تخطئها لوضوحها الشديد نذكر منها:
أولا:
افتقاد السياسة المصرية داخليا وخارجيا لأي هدف استراتيجي واضح مما أدي إلي تقلص الدور المصري علي المستوي العربي ناهيك عن المستوي العالمي وأصبحت مصر مجرد أداة ضغط علي حركات المقاومة وحليفا لقوي الشر في العالم وبابا خلفيا لكثير من المؤامرات التي تحاك ضد هذه الأمة ومجرد حاضنة لكل المؤتمرات الأمريكية التي تهدف إلي إخراج أمريكا من المستنقع العراقي أو إلي حماية إسرائيل من المقاومة الفلسطينية وتحولت مصر المسلمة العربية ذات التاريخ المضيء إلي معسكر تدريب للانقلابيين من حركة فتح ضد خيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي. تحولت مصر إلي صالة أفراح ودار مناسبات مجانية للسيد الأمريكي تأتمر بأمره فهي مع الحكومة اللبنانية ضد التوافق اللبناني و ضد حركات المقاومة وهي تستقبل بكل حفاوة قادة فتح من انقلابيين وغيرهم دون غضاضة ولكنها تتجاهل حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا ولا تتعامل معها سوي من منطق الأمن الإسرائيلي بالطبع ومصر تبذل كل الجهد من أجل الإفراج عن الجندي الصهيوني ولكنها لا تري غضاضة في اعتقال عشرات الشرفاء المناضلين من الوزراء والنواب بل ورئيس المجلس التشريعي من حماس والثوار من غيرها مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات. وكذلك مصر العربية المسلمة تتفهم أسباب الغزو الأثيوبي للصومال وتعترف بالحكومة العميلة في العراق وتفتح ملفات مخابراتها من أجل أن يصل السيد الأمريكي العاجز إلي المعلومات التي لم يستطع الوصول إليها وتقوم مصر مع دول عربية أخري بتعذيب المعتقلين علي يد القوات الأمريكية للحصول علي المعلومات التي فشل الأمريكي في الحصول عليه وتفتح مصر باب المبيدات المسرطنة للقضاء علي ما بقي من عافية لدي الموطن المصري وتحمي كل من ساهم في هذه الجريمة الشنعاء. ويتحول لديها ملف الأمن القومي إلي مجرد محاولة مفضوحة لحماية الأمن الإسرائيلي فتصبح مصر العملاقة مجرد قزم يعمل كشرطي للصهيونية العالمية. كل ذلك يتم من سنوات طويلة لكن سيل التنازلات تسارعت وتيرته وزادت حدته في السنوات القليلة الأخيرة حيث أنشغل النظام بترتيب أمر التوريث في محاولة محمومة من جانبه لمسابقة الزمن حتي لا تظهر علامات الشيخوخة بحدة علي النظام قبل إقرار عملية التسليم و التسلم ولكي يتوقف السيد الأمريكي عن أي مطالبة بالإصلاح.
ثانيا:
حالة الترهل والشللية التي وصل لها الحزب الحاكم حيث صار من يحكم البلد حفنة من الأشخاص من عديمي الخبرة السياسية الحقيقية. مجموعة من المنتفعين الذين لا يرون في هذا البلد سوي سوق تجاري لاحتكارهم وفسادهم ولذلك فهم يحاولون التربح منه في أقل وقت بأكبر قدر ممكن حتي إذا جاءت لحظة الخلاص خرجوا إلي غير رجعة حاملين معهم أموال هذا الشعب المسكين مخلوطة بدموعه ودمه.
ثالثا:
حالة الفساد غير المسبوق التي امتدت إلي كل شبر من أرجاء الوطن وإلي كل مسئول في الحزب الوطني (إلا ما رحم ربي) والتزاوج بين السلطة والثروة حيث تشير بعض التقارير إلي أن نصف نواب مجلس الشعب تقريبا من رجال الأعمال. هذا الفساد موجود في كل مكان وفي كل عصر حتي في الدول التي تمتع بهامش كبير من الحرية ولكن حجم الفساد الحالي غير مسبوق كما وكيفا بسبب شيخوخة النظام فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة وطول الأمد يؤدي إلي زوال أي شعور بالخوف. لقد تحول كل مسئول تقريبا إلي لص يحاول نيل أكبر قدر من الكعكة (التي هي مصر) وخاصة أولئك الذين يعلمون أن التغيير علي وشك أن يبدأ وهي حقيقة لا مراء فيها ولكن البعض يراهن علي أن التغيير سيكون من النظام وليس من خارجه.
رابعا:
الفساد الحالي والنظام الحالي ليس لديه مقدس فبعد أن ظل سنوات يخشي الاقتراب من الدستور معتقدا أن الدستور يحميه تماما وأن قانون الطوارئ فيه الكفاية جاء "الفكر الجديد" ورأي أن الدستور ما هو إلا لعبة في يد الأكثرية غير الشرعية في مجلس الشعب وأن كل شيء يمكن أن يتم من خلال الدستور وأن تقليص الحريات وتكريس الاستبداد وسحق المعارضين ودسترة الطواريء وإهالة التراب علي الشرفاء من هذا الوطن وتقليص دور القضاة الشرفاء وخلق قضاءا موازيا وتكريس التوريث وإطلاق صلاحيات رئيس الجمهورية أكثر وتقنين بيع مصر يمكن أن يتم في غضون يومين من جلسات المجلس الموقر ووقف النواب الهتيفة يهتفون بحياة الرئيس (الذي يفترض بهم أنهم يراقبون أعمال السلطة التي يرأسها)ثم تدارك البعض الأمر فهتفوا بحياة مصر التي يذبحونها. الفساد الحالي (والقادم أسوء) يحميه ويُنظر له الإعلام والإعلاميون الذين دنسوا شرف هذه المهنة النبيلة من أجل عرض زائل ولنا أن نعرف أن بعضهم يتقاضي عشرات الألوف من الجنيهات من جيوب الفقراء من أجل حلقة واحدة من برنامج ناهيك عن المناصب التي يتقلدونها بدون موهبة أو مقدرة فالمطلوب قدر كبير من النفاق وقدر أكبر من الصفاقة والقدرة علي الكذب. هذا الفساد يحميه كذلك صمت الشعب الذي يعيش وكأنه ضيف في هذا البلد وليس صاحب الدار فليس له الحق في الاعتراض أو التظاهر أو حتي إبداء أي قدر من عدم الرضا أو التململ وليس له الحق حتي في اختيار ممثليه في البرلمان فالرصاص المطاطي و الحي هو الرد علي أي محاولة للوصول إلي لجان الاقتراع وهذا الأمر يتم أمام العالم كله وإذا ذُكر ذلك في الإعلام قالوا سمعة مصر وكأن تدنيس سمعة مصر يأتي ممن يبلغ عن الجريمة وليس من مرتكبيها!!!
خامسا:
أحزاب معارضة ضعيفة هشة حتي أنها أضعف من النظام أحزاب متشرذمة متفككة مخترقة أمنيا لا تستطيع أن تقول "لا" للنظام وكل ما تفعله هو إضفاء قدر من الديكور الديمقراطي علي اللعبة السياسية في مصر وإقامة حوار مع النظام وقتما شاء والتوقف عن ذلك وقتما شاء. أحزاب قانونية معترف بها لا تعرف كيف تدير ندوة يؤمها بضع مئات أو مظاهرة يقصدها بضع آلاف. أفرادها مطلقي السراح ويظهرون علي التلفاز الحكومي المؤمم لكنهم غير قادرين علي التواصل مع الجماهير لأنهم لا يختلفون –في الغالب- كثيرا عن الحزب الوطني. هذه المعارضة المستأنسة لا تعمل سوي في المساحة التي يتركها النظام لها فليس لها حكومة ظل ولا مبادرة حد أدني تضم كل أطياف العمل السياسي المعارض ولا اعتصامات ولا مظاهرات بل يتفرغ جزء منها لضرب المعارضة والعمالة للنظام.
سادسا:
ومن عناصر المشهد السياسي الحالي جماعة الإخوان المسلمين وهي الفصيل المعارض الأساسي المرشح لخلافة النظام فهي صاحبة الشعبية الأولي في مصر دون منازع وهي الفصيل الوحيد الذي يصطف خلف قيادته ولديها كوادر نشطة وفاعلة في كل أركان البلاد وهي الطرف الوحيد القادر علي إسقاط النظام ديمقراطيا وتولي المهمة مكانه لكن بُعد الإخوان عن بقية التيارات وإحساس البعض بقدر من التعالي في التعاطي الإخواني معهم علي أساس الفارق الواضح بين الإخوان وبين باقي الأطياف في الشعبية والإمكانات والتنظيم تعمق من الإحساس بهذه الهوة. هذه الفجوة ليس فقط الإخوان هم المسئولون عنها لأن تبعية المعارضة (في جزء كبير منها للنظام) ومشاكلها الداخلية وخضوعها للجنة شئون الأحزاب تجعل من تقاربها مع الإخوان أمرا صعبا ومع ذلك فلابد من التقارب بين الجميع. كما أن علي جماعة الإخوان التعامل بشكل غير تقليدي مع النظام وبفكر جديد يتناسب مع المرحلة الجديدة وطريقة النظام والتخلي عن سياسة رد الفعل واتخاذ سياسة المبادرة بديلا لإرباك النظام والتمسك بالحقوق والتواصل مع كل فئات المجتمع لكسر الطوق الأمني والإعلامي وفضح أكاذيب النظام ومنظريه واستخدام كوادر المعارضة في الخارج وتفعيل دور باقي التيارات الإسلامية في الداخل والتحاور معها والتوجه بقضيتهم إلي الكُتاب الشرفاء في الصحف اليومية المسماة بالقومية من خلال الكتابة إليهم عبر البريد الألكتروني من كافة أفراد الإخوان في كل القضايا لبيان شعبية الإخوان وفكرهم وكذلك الضغط علي أبناء وأقارب المسئولين الذين دنسوا الدستور المصري وقلصوا الحريات وألقوا بالشعب في أتون نار الله وحده يعلم كم من الخسائر ستجر علينا بحيث تكون هذه الرسائل رسائل ود مفعمة بالحب والتقدير فحواها "هل سألت والدك ماذا سيقول لله عندما يسأله سبحانه و تعالي عما فعل؟ ولمصلحة من؟
سابعا:
كُتاب ومثقفون ونخبة لا تريد أن تبرح مكانها تكتفي فقط بكلمة حق مبحوحة في ندوة أمام عشرات من النخبة يعرفون هذا الطرح وأكثر. هذه النخبة يجب عليها أن تقود العمل (خصوصا الجزء المستقل فكريا عن كافة التيارات السياسية الموجودة) وتقود الأمة فالشعب لا يمكن أن يهب لطلب الحرية دون وجود من يقوده وإلا أصبحت فوضي كما تريد أمريكا. أن هذه النخبة المستقلة عليها أن تسعي إلي إحداث أكبر قدر من التناغم بين أطياف العمل السياسي وتقريب وجهات النظر واستبعاد كل عميل للنظام في المعارضة ووضع مبادرة حد أدني من أجل الإصلاح بخطوط عريضة للوصول إلي الحرية لهذا الشعب كي يختار الطرح الذي يريده مع تمكينه من التغيير بآليات محددة قانونية ودستورية تمنع الحاكم (أي حاكم) من العبث مجددا بالدستور والقانون. هذه المبادرة تشمل فصل حقيقي للسلطات واستقلال تام للقضاء والإعلام وصلاحيات كبيرة لمجلس الشعب وضمانات كاملة لإنشاء الأحزاب ونزاهة تامة للانتخابات وفصل بين الحكومة والدولة في تولي المناصب العامة الكبير منها والصغير وتوسيع العمل السياسي الحزبي وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات ومنع الاحتكار. والسعي للانتخابات بالقائمة النسبية لنصف الأعضاء ومستقلين للنصف الثاني مع وضع سقف مالي للإنفاق علي الانتخابات ومراقبة ذلك بكل صرامة مما يعطي ضمانة لتمثيل الجميع في البرلمان.
هذا جزء من المشهد السياسي المصري الذي يبدو ظلاميا للغاية لكنني أري الضوء في أخر النفق ولكن لذلك حديث أخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:مقالات سياسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























