د. الغزالي يسأل المتملقين: ماذا فعلتم في أنفسكم وفي مصر؟!

كتبهانحب الخير لكل الناس ، في 25 أيار 2007 الساعة: 09:51 ص

الغزالي يسأل المتملقين: ماذا فعلتم في أنفسكم وفي مصر؟!
إخوان أون لاين - 24/05/2007

 

 

 د. عبد الحميد الغزالي

 

 

يُروى أن مدحت باشا عُيِّن واليًّا على العراق من قبل الخليفة العثماني فجمع أعيان بغداد واقترح عليهم زيادة الضرائب على الشعب لإصلاح المرافق المهترئة فأثنوا جميعًا على الفكرة الحكيمة، فكتب كتابًا إلى الباب العالي في تركيا يستأذن في فرض الضريبة ويخبره بموافقة الأعيان العراقيين على ذلك ووقَّعوا جميعًا على الكتاب، وأوهمهم بإرساله إلى مقرِّ الخلافة، وبعد أيامٍ جمعهم مرةً ثانيةً وأخبرهم أنه راجع نفسه في القرار السابق ولام نفسه نظرًا لفقر الناس وحاجتهم؛ الأمر الذي يجعل فرض ضرائب جديدة عبئًا ينؤون به، ولذلك اقترح إرسال كتابٍ آخر إلى الباب العالي يُلغي طلبهم في الكتاب الأول، فأثنوا جميعًا على الرحمة والشفقة والإنسانية التي يتحلى بها الوالي الكبير، فكتب كتابًا بالمعنى الثاني وجمع توقيعاتهم جميعًا عليه، وهنا أخرج لهم الكتاب الأول، وقال لهم: أين أنتم من هذين الكتابين؟، ولقنَّهم درسًا في الرجولة وحرية الرأي والاعتداد بالنفس والتمسك بالحق، وألا يكونوا إمعات؛ وذلك عملاً بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا اسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤا أن تجتنبوا إساءتهم".

 

قفزت هذه القصة إلى ذاكرتي عندما اقترح الرئيس تعديل 34 مادةً من الدستور على نحو معين فانطلق أساطين القانون الكبار يمتدحون الحكمةَ الملهمةَ والإلهام الحكيم، ويصوغون المواد على النحو الذي يُرضي فخامة الرئيس وتبعهم في ذلك القانونيون الصغار والسياسيون والنواب والصحفيون والإعلاميون أعضاء الحزب الوطني الطامحون والطامعون.

 

وخاضوا معارك عنيفةً ضد قطاعات كثيرة من الشعب، حتى أُقرَّت التعديلات كما أرادها الرئيس بالحرف في استفتاء علم الجميع كيف افتقر إلى النزاهة والأمانة شأن كافة الاستفتاءات التي شهدناها طيلة نصف القرن الأخير.

 

ثم انطلقت العُدَّةُ التشريعية تفرز قوانين جديدة بسرعة البرق تطيح بالهامش الضيق الباقي من الحريات والحقوق والعدالة واستقلال القضاء، فصدرت قوانين الأحكام العسكرية ومد سن القضاة ولا زالت قوانين مباشرة الحقوق السياسية والإرهاب تحت الإعداد رغم الاعتراض الشعبي الكبير على محتواها.

 

وهنا تواردت الأفكار والتساؤلات على خاطري، تُرى لو أنَّ الرئيسَ طلب تعديل تلك المواد وهذه القوانين على نحو معاكس ومناقض تمامًا للمعنى الذي طلبه أولاً ماذا كان موقف هذه الحوقة الضخمة من الأستاذة والخبراء والنواب والأتباع من الحزب الوطني الكبير؟ لا ريبَ أنهم جميعًا كانوا سيكونون مثل أعيان بغداد، وتنطلق قصائد الإطراء والمديح على الإرادة الرئاسية التي تحمي الحريات وتصون الحقوق وتحفظ الحرمات وتستجيب لآمال الشعب، ولن يتخلف من هؤلاء المتملقين الكثر الكبار أحد.

 

وهنا قفزت إلى ذهني صور متتابعة من قصة موسى وفرعون وملأ فرعون (أي العلية من قومه):-

الصورة الأولى: صورة السحرة وقد استعان بهم فرعون لإبطال معجزة موسى عليه السلام فكان تساؤلهم الأول: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الشعراء: من الآية 41) فلم يكتفِ فرعون بوعدهم بالمال الوفير وإنما أضاف له المناصب المقربة بحيث يصبحون من بطانته وحاشيته ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (42)﴾ (الشعراء)، ولقد كان هذان الأمران دومًا السبب الرئيس الذي يُجرِّد الإنسان من رجولته ويحوله إلى إمعة تتقاذفه الأهواء.

 

الصورة الثانية: صورة فرعون يوم وقف يخاطب قومه صراحةً: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).

 

الصورة الثالثة: حينما وقف يُحذِّر قومه من موسى النبي متهمًا إياه بأنه مفسد؛ وذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26) سبحان الله فرعون هو المصلح وموسى هو الذي يدعو إلى الفساد!

 

هذا هو منطق الفراعنة جميعًا في كلِّ العصور سواء قالوه بلسان المقال أو بلسان الحال، وتساءل عقلي ما الفرق بين مصر فرعون، ومصر الحديثة؟

 

وأدعو هؤلاء السادة الضالعين في صياغة القوانين المقيدة لحريات الشعب والمؤيدين لهم إلى التفكير في هذا التساؤل، وأيضًا إلى التفكير في العاقبة، عاقبة فرعون وباقي الفراعين، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)﴾ (القصص).

 

ولنتذكر ما فعله هتلر بنفسه وألمانيا، وموسوليني بنفسه وإيطاليا وصدام بالعراق، حينما أبادوا كل مَن قال لهم لا ولم يبق إلا إمعات.

 

وليس بالضرورة أن تكون العاقبة في صورة تدمير ظاهر كما في الأمثلة السابقة، فقد يكون التدمير في صورة غير مباشرة انهيار داخلي كما حدث في حالة تفكك الاتحاد السوفيتي وضعفه وتراجعه، وكما هو محسوس وملموس في مصر الآن فقدان الانتماء والولاء والحب وفقدان الرغبة في العمل والانتاج وانتشار الفقر والبطالة وتدهور المرافق والخدمات والتعليم والبحث العلمي وشيوع الجريمة والخوف وتردي الأخلاق وسريان الفساد في كلِّ مؤسسات الدولة رغم تحولها إلى دولة بوليسية تحولت الشرطة فيها إلى جرار مطلق الصلاحيات ضخم الإمكانات يستنفذ الجزء الأكبر من ميزانية الدولة، إضافةً إلى تراجع مكانها الإقليمية والدولية، وتحولها إلى دولةٍ تابعةٍ تأتمر بأوامر أعدائها.

 

فما فعلتموه أيها المتملقون الكبار هو الذي أدَّى إلى ذلك، ومع ذلك ما زلتم مصرين على قيادة قاطرة البلد إلى تلك الهاوية السحيقة؛ حرصًا على منافع شخصية ضئيلة وزائلة، مضحية بمصالح مصر الوطن والشعب.

 

وإذا كنتم لا تعبأون بمصير الوطن والشعب، فلا ريب أنكم تهتمون كثيرًا بمصائركم، ولكنكم للأسف الشديد لا تنظرون في مصالحكم لأبعد من مواطئ أقدامكم، أما إذا نظرتم إلى الأمام وإلى المستقبل فستعلمون الحقائق التالية:

 

1. أن المكانة العلمية والمقام المحترم ونظرة الإكبار التي كان ينظر بها إليكم زملاؤكم وتلاميذكم وعموم الناس سوف يهال عليها التراب؛ لأن ما تفعلونه يتناقض تمامًا مع كلِّ ما كنتم تكتبونه وتعلمونه وتدعون إليه من قبل، والناس لا يحترمون إلا من يطابق فعله قوله وعلمه.

 

2. أن الشعوب وإن طال صبرها فإنها في النهاية ستتحرك لاستعادة حريتها وحقوقها، وهذا درس التاريخ، وأخشى ما أخشاه أن تكون حركتها فورانًا يصب حممه على الظالمين.

 

3. أن التاريخ لن يغفر لكم ما اقترفتموه في حق أهلكم وشعبكم ووطنكم وسيورد سيرتكم في صحائفه السوداء مع الطغاة والظالمين وجنود الظالمين الذين حولوا نعمة العقل والعلم إلى سياط تلهب ظهور المصلحين وأغلال تقيد أيديهم وأرجلهم وقضبان يلقون في غياباته.

 

4. أنه ما من إنسانٍ يضار بما شرعتموه من قوانين ولا ما زينتموه من باطل إلا حلّ عليكم إثم من أوقع به الضرر ولو كنتم في جوف قبوركم وإلى يوم القيامة، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما من نفس تُقتل إلى يوم القيامة إلا وكان على ابن آدم الأول من وزرها لأنه أول من سنَّ القتل في الأرض"، وقال عليه الصلاة والسلام: "مَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن اتبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا".

 

ليس ذلك فحسب ولكن سيأتي يوم يتبرَّأ فيه السيد المتبرع من أتباعه الكبار والصغار ويتبادلون الاتهامات واللغات والتمنيات الكاذبة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ..﴾ (البقرة).

 

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم)، فهل تستيقظ ضمائركم رحمةً بأنفسكم ورحمةً بمصرنا الحبيبة؟ وقاها الله كل سوء.

———–

* الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر